عرض مشاركة واحدة
قديم 11-01-2013, 11:21 PM   #1
الشيخ ابوبكر
الشيخ الدكتور ابوبكر : 004915236663720
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 4,313
افتراضي وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشّ

هذا النص القرآني الكريم جاء في الربع الأول من سورة الكهف ، وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها مائة وعشر‏ (110)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى قصة أصحاب الكهف ، وهم فتية مؤمنون فروا بدينهم ولجأوا إلى غار بجبل مكثوا فيه نياماً لفترة امتدت إلى ثلاثمائة وتسع من السنين القمرية‏ ,‏ ثم بعثهم الله ـ تعالى ـ بعد تلك المدة الطويلة بمعجزة تشهد لله الخالق بطلاقة القدرة ‏.‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة الكهف حول قضية العقيدة الإسلامية ، ومن ركائزها الأساسية الإيمان بالله تعالى رباً واحداً أحدا‏ً ,‏ فرداً صمدا‏ًً ,‏ وتنزيهه تنزيهاً كاملاً عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد‏ ,‏ وعن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏
وللتأكيد على ذلك أوردت سورة الكهف ثلاث قصص ، وضربت ثلاثة أمثال من أجل استخلاص الدروس والعبر منها والاستفادة بها ،‏ وكانت أولى القصص هي قصة أهل الكهف‏ ,‏ وثانيتها قصة نبي الله موسى والعبد الصالح‏ ,‏ وثالثتها قصة ذي القرنين‏ ,‏ وكان أول الأمثال‏ :‏ مثل الغني المغتر بماله وجاهه وثروته ، والفقير المعتز بإيمانه وبدينه‏ ,‏ وضرب المثل الثاني على مرحلية الحياة الدنيا وحتمية فنائها‏ ,‏ بدورة إنبات النبات بعد نزول المطر وإثماره ثم جنيه أو حصاده ثم جفافه وتهشمه حتى تذروه الرياح ،‏ وضرب المثل الثالث على التكبر والغرور وعاقبتهما بطرد إبليس اللعين من الجنة وحرمانه من رحمة الله جزاء عصيان أمر ربه وامتناعه عن السجود مع الملائكة لأبينا آدم ـ عليه السلام ‏.

ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول القضايا الأساسية التالية‏ :‏
(1)‏ التأكيد على حقيقة الوحي بالقرآن الكريم‏ ,‏ وأنه كلام الله الموحى به إلى خاتم أنبيائه ورسله نذيراً للكفار والمشركين ، وبشيراً بالخلود في الجنة للمؤمنين‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجاً . قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً . مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً " (‏الكهف‏:1‏-‏3)‏ .
‏(2)‏ التنديد بالذين أشركوا بالله ـ تعالى ـ ونسبوا له الولد زوراً وبهتانا‏ًً ,‏ ونفي الشرك عن الله ـ تعالى اسمه ـ نفياً قاطعا‏ًً ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏ " وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً . مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً . فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً " (‏الكهف‏:4‏-‏6) .‏
‏(3)‏ الإشارة إلى حقيقة ابتلاء البشر بزينة الحياة الدنيا‏ ,‏ وزخارفها ومباهجها ومغرياتها ، والتأكيد على أن نهاية الحياة الموت‏ ,‏ ونهاية الدنيا الزوال‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏ " إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً " ‏(‏الكهف‏:7‏-‏8) .‏
‏(4)‏ التأكيد على أن الصراع بين الحق والباطل‏ ,‏ والخير والشر‏ ,‏ والإيمان والكفر سنة من سنن الحياة الدنيا‏ ,‏ وأن الحق لا ينتصر لمجرد كونه حقاً‏ ,‏ ولكنه يحتاج إلى المؤمنين به‏ ,‏ المجاهدين في سبيله بالنفس والنفيس‏ ,‏ فإن عجزوا عن ذلك فالفرار بالدين ، ولذلك جاءت الإشارة إلى قصة أصحاب الكهف الذين آثروا الهجرة فراراً بدينهم من بطش الحكام الجائرين المتجبرين على الخلق، وجاء ذلك في ست عشرة آية‏ (‏من الآية ‏9 إلى ‏26,25,22)‏ من هذه السورة المباركة‏ .‏
وقد اختلف المفسرون في هوية أصحاب الكهف ، ولكن الغالب أنهم كانوا من أتباع نبي الله عيسى بن مريم‏ ,‏ وأنهم عاشوا على أرض فلسطين في ظل احتلال الإمبراطور الروماني الطاغية‏ (‏تراجان‏)‏ الذي حكم في الفترة من ‏98‏م إلى ‏117‏م‏ ,‏ واحتل أرض فلسطين سنة ‏106‏م‏ ,‏ وأجبر أهلها على عبادة الأصنام ، وطارد أتباع السيد المسيح‏ ـ‏ عليه السلام‏ ،‏ فقتل منهم من قتل وشرد من شرد‏ . وأصحاب الكهف أنزل الله ـ تعالى ـ عليهم معجزة من عنده فناموا نوماً عميقاً لثلاثمائة وتسع من السنين القمرية‏ ,‏ ثم بعثهم الله ـ تعالى ـ من نومهم هذا في عهد الإمبراطور ‏(‏تيودوسيوس‏)‏ في الفترة الواقعة بين ‏408‏م و ‏450‏م‏ ,‏ وتؤكد ذلك النقود البيزنطية التي عُثر عليها في كهف يعرف باسم كهف (الرجيب بالعامية، وأصلها الرقيم كما سماه القرآن الكريم‏)‏، والذي اكتشف في صحراء البلقاء على بعد بضعة كيلو مترات من مدينة عمان‏ .‏
وكان أول من كتب عن قصة أصحاب الكهف بالسريانية هو العراقي جيمس الساروغي ‏(James of Sarus)‏ المتوفى سنة ‏518‏م‏ ,‏ ثم نقلها جريجوري إلى اللاتينية في القرن السادس الميلادي‏ ,‏ ثم نقلت إلى كلٍ من الفارسية والعربية‏ ,‏ واليونانية والحبشية والهندية‏ ,‏ وعلق عليها المؤرخ البريطاني إدوارد جيبون ‏(Edward Gibbon)‏ في كتابيه المُعَنْوَنَيْن‏ (‏سقوط روما وانحطاطها‏) ،‏ ثم ‏(‏الصراع بين الإيمان والمادية‏) ‏، واعتبرها من قبيل الخرافات التي ابتدعها الإغريق‏ ,‏ وهذا باطل محض لا يدعمه دليل واحد‏ ,‏ ومن أقوى ما يدحضه اكتشاف الكهف بنفس المواصفات التي حددها القرآن الكريم ولم ترد في روايات الأقدمين شيء عنها‏.‏ وتؤكد السورة الكريمة أن معجزة أصحاب الكهف تشير إلي إمكانية البعث‏ ,‏ وهي كغيرها من المعجزات التي أوردها القرآن الكريم ‏.‏ أمر يسير بالنسبة إلى طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في جنبات الكون ‏:‏ في الأنفس والآفاق والقادرة على تغيير سنن الكون ونواميس الحياة والموت ‏.‏
‏(5)‏ وتأمر السورة الكريمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، كما تأمر كل مؤمن برسالته ـ أن يستعين دوماً بالمشيئة الربانية قبل الإقدام على أي عمل‏ ,‏ وأن يداوم على ذكر الله وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ‏:‏
" وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً . إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً " ‏(‏الكهف‏:23-24) .‏
وتأمر السورة المباركة كذلك بالمداومة على تلاوة القرآن الكريم ، وبالثبات على الصحبة الصالحة، والبعد كل البعد عن رفاق السوء فتقول ‏:‏ " وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً . وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً " ‏(‏الكهف‏:27‏-‏28) .‏
‏(6)‏ وتؤكد السورة الكريمة على حرية الاعتقاد ، وعلى أن الإنسان مخلوق ذو إرادة حرة ‏:‏ " وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ‏" (‏الكهف‏:29) .‏
وتصف جانباً من عذاب الظالمين‏ ,‏ وطرفاً من ثواب المؤمنين الصالحين ‏.‏
‏(7)‏ وتذكر مثلاً لمن أبطرته النعمة‏ ,‏ ولمن ثبتته العقيدة الصادقة‏ ,‏ وتشير إلى مصير كلٍ منهما في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏ كما تضرب مثلاً بدورة الحياة والموت لتؤكد هوان هذه الدنيا الفانية إذا ما قورنت بالآخرة الباقية الخالدة‏ ,‏ وتشير إلى حقيقة كبرى يصفها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بقوله‏: ‏" المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً " ‏(‏الكهف‏:46) .‏
‏(8)‏ وتعرض السورة الكريمة لشيء من أوصاف الآخرة وما فيها من تدمير للكون ، ثم بعث ، وحشر‏ ,‏ وعرض‏ ,‏ وحساب فتقول‏ : ‏" وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً . وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفاًّ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً . وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً " ‏(‏الكهف‏:47‏ :‏49) .‏
‏(9)‏ وتذكر سورة الكهف بقصة خلق أبينا آدم ـ عليه السلام ، وتشير إلى سجود الملائكة له انصياعاً لأمر الله ـ تعالى ، وإلى معصية إبليس برفض أمر الله ـ تعالى ـ له بالسجود لأبي البشر فسوقاً ، وعصياناً ، وكبراً واستعلاءً‏ ,‏ ونهى الله ـ تعالى ـ عباده المؤمنين عن اتخاذ الشيطان وذريته أولياء وهم الأعداء الألداء ‏.‏
وتؤكد السورة الكريمة على أن الحديث عن قضية الخلق بأبعادها الثلاثة‏ : (‏خلق الكون‏ ,‏ خلق الحياة‏ ,‏ خلق الإنسان‏)‏ هو متاهة كبيرة بغير الهداية الربانية التي جاءت في كتاب الله ـ سبحانه وتعالى ، وفي الصحيح المرفوع إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أحاديثه‏ ,‏ فتقول‏ :‏ " مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً " (‏الكهف‏:51) .‏
‏(10)‏ وتعاود الآيات في سورة الكهف إلى وصف شيء من مواقف الحساب في الآخرة ، وعلى ذل المشركين فيها فتقول ‏: ‏" وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً . وَرَءَا المُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً . وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً . وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُـمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ قُبُلاً . وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً . وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذَابَ بِل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً . وَتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً " ‏(‏الكهف‏:52‏-‏59) .‏
وما أروع هذه الآيات في التعبير عمن نزلت فيهم من المشركين والكفار‏ ,‏ وما أروعها في الرد على خفافيش الظلام الذين يتوارون خلف شاشات شبكة المعلومات الدولية ، أو بعض القنوات الفضائية المشبوهة ينفثون سمومهم ضد كتاب الله الخالد، وضد خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليهم وسلم ، وكأن هذه الآيات قد نزلت فيهم وفي أمثالهم إلى يوم الدين ‏...!!‏
‏(11)‏ وبعد ذلك تعرض سورة الكهف لقصة نبي الله موسى مع العبد الصالح الذي آتاه الله ـ تعالى ـ رحمة من عنده، وعلمه من لدنه علما‏ًً؛‏ ليؤكد على محدودية علم الإنسان مهما زاد‏ ,‏ وعلى ضرورة الرضا بقضاء الله وقدره وإن بدا في غير صالح الإنسان ‏؛ لأن علم الله ـ تعالى ـ محيط بكل شيء‏ ,‏ وعلم الإنسان قاصر عن إدراك كل شيء‏ ,‏ كما تؤكد على ضرورة رعاية اليتيم‏ ,‏ وعلى أن اقتلاع الشر من الأرض واجب‏ ,‏ وعلى أن صلاح الوالدين يبقى للذرية مهما طال الأمد ‏.‏
‏(12)‏ ثم تعرض السورة الكريمة لقصة العبد الصالح الذي مكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ له في الأرض وآتاه من كل شيء سببا فأتبع سببا‏ ,‏ والذي سمته السورة الكريمة باسم ذي القرنين‏ ,‏ وتعرض لتعاملاته مع من مر عليهم من الأقوام ، ومنهم يأجوج ومأجوج الذين أفسدوا في الأرض فأقام بينهم وبين جيرانهم سدا‏ًً ،‏ وفي ذلك وصف للقائد الصالح المؤمن بربه وبرسالته هو في هذه الحياة الدنيا‏ :‏ عبداً لله يعبده ـ سبحانه وتعالى ـ بما أمر‏ ,‏ ويجاهد من أجل إعمار الأرض وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ ومكافحة الظلمة المتجبرين على الخلق في كل مكان من الأرض‏ .‏ والإشارة إلى أن دك هذا السد الذي أقامه ذو القرنين هو من علامات الآخرة ‏.‏
(13)‏ وتعاود الآيات في سورة الكهف إلى ذكر بعض مشاهد الآخرة وما فيها من بعث ، وحشر ، وعرض أكبر أمام الله ـ تعالى ، وحساب وجزاء‏ ,‏ كما تعاود إلى استنكار شرك المشركين‏ ,‏ وكفر الكافرين وإلى ذكر جزاء كلٍ منهم فيها فتقول ‏: ‏" وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعا . وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً . الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً . أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً . قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً " (‏الكهف‏:99-‏106) .‏
(14)‏ وتنتقل الآيات في ختام سورة الكهف إلى وصف شيء من جزاء المؤمنين ، وإلى تعظيم القرآن الكريم فتقول‏ : ‏" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً . خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً . قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً " (الكهف:107-109) .‏
‏(15)‏ وتختتم سورة الكهف بنصيحة غالية على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ تؤكد بشريته‏ ,‏ ونبوته‏ ,‏ كما تؤكد التوحيد الخالص لله ـ تعالى ـ بغير شريك ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع ولا صاحبة ، ولا ولد‏ ,‏ وتؤكد ضرورة الحرص على العمل الصالح والتحذير من الشرك بالله ـ سبحانه ـ على أي مستوى يكون‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ موجها الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ‏: ‏" قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً " ‏(‏الكهف‏:110)‏ .
ولروعة ما ورد في هذه السورة المباركة من معان كريمة ـ والقرآن الكريم كله رائع ـ روى أبو الدرداء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله الشريف‏ :‏ " من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال " ‏(‏رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي‏) ، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ‏:‏ " من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " ‏(‏رواه مسلم والنسائي ، والرواية أيضاً عن ثوبان‏) .‏

من ركائز العقيدة في سورة الكهف :
(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى ـ رباً واحداً أحداً‏ ,‏ فرداً صمدا‏ًً ,‏ لا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ ولا شبيه له من خلقه‏ ,‏ ولا حاجة له إلى الصاحبة والولد‏ ,‏ فهذه كلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏
‏(2)‏ التصديق بالوحي بالقرآن الكريم، وبأنه كلام الله الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله بشيراً ونذيراً‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ‏.‏
‏(3)‏ اليقين بنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ، والإيمان بهم جميعاً بغير تمييز ولا تفريق‏ .‏
‏(4)‏ التسليم بأن الدنيا دار اختبارٍ وابتلاءٍ للناس " أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً " ,‏ وأن " المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً‏ " .‏
(5)‏ الإيمان بالآخرة وبما فيها من بعث وحشر‏ ,‏ وعرض أكبر أمام الله ـ تعالى ، وحساب وجزاء‏ ,‏ وبأن الجنة حق‏ ,‏ وأن النار حق‏ ,‏ وأنها لجنة أبداً أو نار أبداً‏ .‏
‏(6)‏ اليقين بأن الشيطان وذريته أعداء للإنسان‏ ,‏ فلا يجوز أبداً اتخاذهم أولياء‏ ,‏ وأن الذين كفروا سوف يظلون دوماً‏ يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق‏ ,‏ ويتخذوا آيات الله وما أنذروا به هزوا‏ وقد جعل الله‏ " عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً ‏"‏ وهؤلاء لن يهتدوا أبداً ‏.‏ وأن رسالة المرسلين‏ ,‏ ودور الدعاة المهتدين من بعدهم هي البشارة والنذير‏ .‏
‏(7)‏ التصديق ببشرية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، وببشرية جميع الأنبياء والمرسلين الذين دعوا جميعاً إلى عبادة الله ـ تعالى ـ وحده دون شريك‏ .‏

,QjQpXsQfEiElX HQdXrQh/hW ,QiElX vErE,]R ,QkErQg~AfEiElX `QhjQ hgdQlAdkA ,Q`QhjQ hga~


,QjQpXsQfEiElX HQdXrQh/hW ,QiElX vErE,]R ,QkErQg~AfEiElX `QhjQ hgdQlAdkA ,Q`QhjQ hga~

الشيخ ابوبكر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس